«اشرب ثمانية أكواب من الماء يوميًا» ربما تكون أكثر نصيحة صحية تكرارًا على الإطلاق. ومؤخرًا أضافت وسائل التواصل الاجتماعي إليها قواعد جديدة: اشربه دافئًا، واشربه على الريق فور استيقاظك، وأضف إليه رشة ملح. فكم تحتاج من الماء فعلًا؟ وهل لأي من هذه العادات أهمية حقيقية؟
إليك ما تقوله الأدلة، وثلاث طرق بسيطة لتتأكد من أنك تشرب ما يكفي دون أن تعدّ الأكواب.
هل نصيحة «8 أكواب يوميًا» مدعومة علميًا؟
في الحقيقة، لا. ففي عام 2002، راجع أحد الباحثين الأدلة التي تستند إليها نصيحة «اشرب ثمانية أكواب على الأقل من الماء، سعة كل منها 8 أونصات، يوميًا»، فلم يجد دراسات علمية تدعمها.1 وأشارت استطلاعات أُجريت على بالغين أصحاء إلى أن هذه الكميات الكبيرة ليست ضرورية، كما أظهرت دراسات أن المشروبات المحتوية على الكافيين تُحتسب أيضًا ضمن الإجمالي اليومي. وقد حرص الباحث على توضيح حدود هذا الاستنتاج: فهو ينطبق على البالغين الأصحاء الذين يعيشون في مناخ معتدل ولا يمارسون نشاطًا كبيرًا. أما من يؤدون عملًا بدنيًا شاقًا أو يمارسون الرياضة، خاصة في الحر، فيحتاجون إلى كمية أكبر.1
وفي عام 2022، قاست دراسة أكبر بكثير كمية الماء التي يستهلكها الجسم ويعوّضها يوميًا (ما يُعرف بـ«معدل تجدد الماء») لدى أكثر من 5,600 شخص من 23 دولة. وتفاوت هذا المعدل بحسب العمر وحجم الجسم والنشاط البدني والحمل والمناخ، بما في ذلك درجة الحرارة والرطوبة والارتفاع عن سطح البحر.2 وخلص الباحثون إلى أنه لا يوجد رقم واحد يناسب الجميع، وأن النصيحة الشائعة بشرب ثمانية أكواب سعة كل منها 8 أونصات يوميًا (نحو 2 لتر) لا تدعمها أدلة موضوعية.2
كم يحتاج معظم البالغين من الماء؟
تأتي القيم المرجعية الأكثر استخدامًا من الأكاديميات الوطنية الأمريكية. فالنساء اللواتي يبدو أن أجسامهن تحصل على ما يكفي من السوائل يتناولن نحو 2.7 لتر من الماء الكلي يوميًا، والرجال نحو 3.7 لتر، من جميع المشروبات والأطعمة مجتمعة.3 ويأتي نحو 80% من ذلك من المشروبات، بما فيها المحتوية على الكافيين، و20% من الطعام. أي أن ذلك يعادل عمليًا نحو 2.2 لتر من المشروبات يوميًا للنساء و3 لترات للرجال. وتغطي هذه الكميات احتياجات الأشخاص الأصحاء قليلي النشاط في المناخات المعتدلة.3
والأمر الذي لا يقل أهمية أن لجنة الخبراء خلصت إلى أن الغالبية العظمى من الأصحاء يلبّون احتياجاتهم اليومية بالاعتماد على الإحساس بالعطش دليلًا، إلى جانب ما يشربونه عادةً مع الوجبات.3
وتُصاغ النصيحة في المملكة المتحدة بطريقة مختلفة، لكنها تصل إلى نتيجة مشابهة. إذ تقترح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) شرب 6 إلى 8 أكواب من السوائل يوميًا، على سبيل الاسترشاد لا كقاعدة صارمة.4 ويُحتسب الماء والحليب قليل الدسم والمشروبات قليلة السكر، بما فيها الشاي والقهوة، كما يوفر الطعام بعض السوائل. واكتفِ بكوب صغير واحد (150 مل) يوميًا من عصير الفاكهة والسموذي، لأنهما غنيان بالسكر.4
وماذا عن القهوة التي تدفعك إلى التبول؟ قد يكون هذا التأثير قصير الأمد، ولا توجد أدلة مقنعة على أن الكافيين يسبب نقصًا إجماليًا في الماء، لذا يمكن احتساب المشروبات المحتوية على الكافيين مثلها مثل الخالية منه.3
لماذا يختلف احتياجك عن غيرك؟
تعطي دراسة 2022 فكرة عن مدى تفاوت الاحتياجات. فمع تساوي العوامل الأخرى، كان معدل تجدد الماء لدى الرياضيين أعلى بنحو 1 لتر يوميًا مقارنة بغير الرياضيين، وأضاف الطقس الحار (نحو 30 درجة مئوية) نحو 1 لتر مقارنة بالطقس البارد نسبيًا. كما رفعته أيضًا الأجسام الأكبر حجمًا والارتفاعات الأعلى والمراحل المتأخرة من الحمل.2 ولا يلزم أن يأتي كل ذلك من المشروبات: فالطعام والماء الذي ينتجه الجسم أثناء حرق الطاقة يغطيان جزءًا منه.2
وفي الحالات القصوى، قد يحتاج الأشخاص النشطون جدًا الذين يتعرضون باستمرار للطقس الحار إلى 6 لترات أو أكثر من الماء الكلي يوميًا.3
ثلاث طرق بسيطة للتحقق
بدلًا من عدّ الأكواب، استعن بما يلي:
- العطش. بالنسبة إلى معظم الأصحاء، يكفي أن تشرب عندما تعطش، إضافة إلى مشروب مع الوجبات.3
- لون البول. اجعل هدفك لونًا أصفر فاتحًا. فالشعور بالعطش، والصداع، والإحساس بالدوار، والبول الأصفر الداكن ذو الرائحة النفاذة، كلها علامات على الجفاف.5
- ظروفك. قد تحتاج إلى المزيد إذا كنت في بيئة حارة، أو تمارس نشاطًا بدنيًا لفترات طويلة، أو في فترة الحمل أو الرضاعة، أو إذا كنت مريضًا.4 كما أن كبار السن أكثر عرضة للجفاف، لذا من المفيد إبقاء المشروبات في متناول اليد.5
وتنصح هيئة NHS بطلب المشورة الطبية بشكل عاجل إذا شعرت بتعب غير معتاد، أو بدوار عند الوقوف لا يزول، أو إذا كنت تتبول أقل من المعتاد، لأن هذه قد تكون علامات على جفاف شديد.5
الشتاء: عطش أقل، لكن الشرب لا يزال ضروريًا
قد يخفف البرد الإحساس بالعطش. ففي دراسة مخبرية صغيرة، شعر رجال تعرّضوا للبرد بعطش أقل بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالأجواء الدافئة، سواء في أثناء الراحة أو المشي، وسواء أكانوا مصابين بالجفاف من قبل أم لا.6 لذا قد يكون العطش في الشتاء دليلًا أقل موثوقية من المعتاد. واصل تناول مشروب مع كل وجبة، وألقِ نظرة على لون بولك من حين لآخر.
شرب الماء أثناء التمرين: كم تحتاج؟
لا تحتاج في معظم التمارين إلى خطة معقدة. فنصيحة الكلية الأمريكية للطب الرياضي (ACSM) تتلخص في ثلاث خطوات:7
- قبل التمرين: ابدأ جلستك وجسمك يحصل على كفايته من السوائل. وعادةً ما تكفي الوجبات والمشروبات المعتادة لذلك. وإذا احتجت إلى المزيد، فاشربه قبل التمرين بعدة ساعات على الأقل، لا لحظة دخولك فقط.
- أثناء التمرين: الهدف هو تجنب فقدان أكثر من نحو 2% من وزن الجسم عن طريق العرق. ويختلف معدل التعرق كثيرًا من شخص لآخر، لذا لا توجد كمية واحدة تناسب الجميع.
- بعد التمرين: عوّض السوائل التي فقدتها.
جرّب اختبار التعرق. زِن نفسك بأقل قدر من الملابس قبل جلسة تمرين معتادة وبعدها. فبهذه الطريقة يمكنك تقدير كمية العرق التي تفقدها.7 وكل كيلوغرام تفقده يعادل تقريبًا لترًا من السوائل. فلشخص وزنه 70 كغ، تعادل نسبة 2% مقدار 1.4 كغ. وإذا كنت تفقد أكثر من ذلك بانتظام، فاشرب أكثر قليلًا أثناء الجلسة. أما إذا كان وزنك بعد التمرين أكبر منه قبله، فقد شربت أكثر مما فقدت.8
وقد تكون للمشروبات المحتوية على الإلكتروليتات والكربوهيدرات مزايا مقارنة بالماء العادي في ظروف معينة،7 وعادةً ما يكون ذلك في الجلسات الطويلة المصحوبة بتعرق غزير.
هل يمكن الإفراط في شرب الماء؟
نعم، لكن ذلك نادر. فكثرة شرب الماء بما يفوق حاجة جسمك بكثير قد تخفض مستوى الصوديوم في الدم أكثر من اللازم، وهي حالة تُسمى نقص صوديوم الدم.8 وتشير الأكاديميات الوطنية إلى أن بعض الرياضيين الذين يمارسون نشاطًا شاقًا، وبعض المصابين باضطرابات نفسية معينة، يشربون أحيانًا كميات قد تهدد الحياة، لكن ذلك نادر الحدوث للغاية.3
وفي المجال الرياضي، رُصدت هذه الحالة أولًا لدى رياضيي التحمل، مثل عدّائي المسافات الفائقة (الألترا ماراثون) ورياضيي الترايثلون في سباقات Ironman، ثم لاحقًا لدى عدّائي الماراثون. والسبب الأكثر شيوعًا هو الشرب بما يتجاوز العطش بكثير، ويبدو أن اتباع الإحساس بالعطش دليل آمن وفعّال.8 بعبارة أخرى، لا داعي لإجبار نفسك على شرب الماء وفق جدول زمني.
وإذا كنت تعاني من مرض في القلب أو الكلى، أو طلب منك طبيبك تقليل السوائل، فاتبع نصيحته بدلًا من أي هدف عام.
صيحات رائجة تحت المجهر: الماء على الريق، والماء الدافئ، والماء المالح
الماء على الريق. بعد ليلة من النوم تكون قد قضيت ساعات دون شرب، لذا فإن كوب ماء عند الاستيقاظ عادة يسهل اكتسابها. لكننا لم نجد تجارب جيدة الجودة تُظهر أن شرب الماء على الريق له فوائد خاصة. فالمهم هو مقدار ما تشربه على مدار اليوم.
الماء الدافئ أو الساخن صباحًا. لم نجد أدلة جيدة على أن الماء الدافئ أفضل لصحتك من البارد. اشربه بالحرارة التي تفضلها، لأنه الماء الذي ستشربه فعلًا.
الماء المالح. إضافة الملح إلى الماء تزيد الصوديوم الذي لا يحتاجه معظم الناس. توصي منظمة الصحة العالمية بأن يتناول البالغون أقل من 5 غرامات من الملح يوميًا، أي أقل بقليل من ملعقة صغيرة، لكن المتوسط العالمي يبلغ نحو 11 غرامًا. والأنظمة الغذائية الغنية بالصوديوم ترفع ضغط الدم، ما يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.9
الماء بالليمون. إذا كانت شريحة ليمون تساعدك على شرب المزيد، فلا بأس. فهو يبقى ماءً في النهاية.
كيف تبدأ هذا الأسبوع
- اشرب مع كل وجبة، واحتفظ بكوب أو زجاجة في مكان تراه.
- راقب لون بولك مرة أو مرتين يوميًا. فاللون الأصفر الفاتح يعني أنك على المسار الصحيح.
- أجرِ اختبار التعرق قبل تمرين واحد وبعده.
- واصل الحركة في الشتاء. في الأيام الباردة أو الممطرة، يُحتسب المشي على جهاز الجري أيضًا ضمن خطواتك اليومية. وإذا كنت مستعدًا لإضافة تمارين القوة، فبرنامج الجسم كامل 3 أيام نقطة بداية جيدة، ويمكنك اتباعه في تطبيق TrainSmart.
لا يحتاج معظم البالغين الأصحاء إلى عدّ الأكواب. اشرب عندما تعطش، وتناول مشروبًا مع الوجبات، وراقب لون البول، واشرب أكثر قليلًا عندما يكون الجو حارًا أو عندما تتعرق بغزارة.
